لقد توقّف العالم عن متابعة الإبادة الجماعية المستمرة في غزة. يبدو أنهم يعتقدون حقًا أن المهمة قد انتهت. ولمَ لا؟! فوسائل الإعلام الرئيسية كلها اتفقت وأعلنت أن الإبادة الجماعية أصبحت وراءنا، بعد دخول اتفاق وقف الأعمال العدائية بين الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية حيّز التنفيذ.
علاوة على ذلك، فإن تلك المنصّات الإعلامية الدعائية –لنتفق على أنها نادرًا ما تنشر شيئًا حقيقيًا بعد الآن– توحي بأن المجاعة قد تم تجنّبها، بزعمها أن قوات الاحتلال الإسرائيلي تسمح بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة.
وهذه هي الخطة الأكثر خبثًا التي وضعها الصهاينة النازيون، إذ يستخدمون وسائل إعلام دولية متواطئة وذات سمعة عالمية لإغراق مواقع التواصل والمنصات الأخرى بأخبار مفادها أنه لم تعد هناك مجاعة في غزة.
في الواقع، تحوّل اهتمام وسائل الإعلام الآن نحو السودان، ذلك البلد العربي الآخر الممزق بالحرب والمثقل بالمجاعة والمختنق بالإبادة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
فجأة، اكتشفت جميع وسائل الإعلام السودان، بعد مرور عامين على تجدد القتال بين الجيش الوطني وقوات الدعم السريع وما رافقه من إبادة جماعية هناك. للأسف، الأبرياء دائمًا هم من يدفعون الثمن النهائي.
ولكن، رغم معاناة البلدين، من المهم الإشارة إلى ما يلي:
* لا يزال الاحتلال الإسرائيلي، الذي يفرض حصارًا بريًا وجويًا وبحريًا كاملاً على غزة، يسمح بدخول 24٪ فقط من الشاحنات الإغاثية المقررة إلى القطاع.
* معظم هذه الـ24٪ من الشاحنات لم تكن تحمل طعامًا صالحًا للأكل، وبعض المواد الغذائية التي سُمح بدخولها كانت منتهية الصلاحية أو فاسدة.
* أغلب الطعام الصالح للأكل الذي سُمح بدخوله كان غنيًا جدًا بالكربوهيدرات وفقيرًا بالبروتينات، وذلك بحسب تقارير مراسلين موثوقين من داخل غزة مثل سامر زعانين، حيث تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي انتقاء ما تسمح بدخوله إلى القطاع بشكل متعمّد.
* ليس كل الطعام الذي دخل غزة كان مساعدات إنسانية… الصحفيون المعتمدون داخل غزة، الذين تواصلنا معهم، ومنهم سامر زعانين و وائل الحلبي و علاء شكشك، أشاروا إلى أن أكثر من نصف الشاحنات التي سُمح بدخولها كانت مملوكة لتجار. ومن يفهم الوضع يدرك أن هذا يعني أن الطعام المتوفر في الأسواق سيكون باهظ الثمن جدًا، في وقت لا يستطيع سوى نحو 1٪ من السكان تحمّل مثل هذه الأسعار المرتفعة.
حتى اليوم، لا يزال الاحتلال الإسرائيلي يفرض نظامًا غذائيًا محدد السعرات، بحيث يحصل الفلسطينيون على نحو "900 سعرة حرارية في الوجبة الواحدة"… لكن هناك خدعة.
فالوجبات "ليست متنوعة"؛ ففي 90٪ من الحالات لا تحتوي الوجبات على أي بروتين، وفي معظمها لا توجد خضروات على الإطلاق.
نكرر، وبناءً على تقارير المراسلين الميدانيين في غزة، فإن معظم المساعدات التي دخلت كانت "غنية بالكربوهيدرات وفقيرة بالبروتينات"، ووفقًا لأطباء تواصلنا معهم خلال العامين الماضيين، فإن هذا يؤدي إلى جسم "عاجز عن التجديد والإصلاح والنمو".
ومع مرور الوقت، تظهر أعراض **سوء التغذية** رغم كفاية السعرات الحرارية، وهو ما يُعرف باسم *“الكفاية الحرارية مع نقص المغذيات”* أو *الجوع الخفي*.
لذلك، فإن هذا النظام الغذائي الغني بالكربوهيدرات والفقير بالبروتين يعني أن الفلسطينيين يستهلكون **طاقة فارغة (سعرات حرارية)** بلا جدوى، مما يؤدي إلى ما يلي:
على المدى القصير (أسابيع إلى أشهر):
* تكسّر العضلات: يبدأ الجسم بتفكيك الأنسجة العضلية للحصول على الأحماض الأمينية الضرورية للبقاء.
* التعب والضعف: نقص البروتين يؤدي إلى ضعف في تجديد العضلات وخمول دائم.
* تساقط الشعر، هشاشة الأظافر، جفاف الجلد: نتيجة تضرر البروتينات البنائية مثل الكيراتين.
على المدى المتوسط (من أشهر إلى عام):
* انهيار الجهاز المناعي: فالأجسام المضادة هي بروتينات، وبدونها تتكرّر العدوى.
* الوذمة (التورم): نقص البروتين في الدم يسبب خللاً في توازن السوائل (حالة تُعرف بـ *الكواشيوركور*).
* بطء التئام الجروح: بسبب ضعف إنتاج الكولاجين.
* تراجع القدرات الذهنية والمعرفية: بسبب انخفاض النواقل العصبية التي تتكوّن من الأحماض الأمينية.
على المدى الطويل (1–2 سنة):
* هزال عضلي شديد.
* فشل في الأعضاء (خصوصًا الكبد والكليتين).
* الإصابة بـ *الكواشيوركور* أو *الماراسموس* — وهما شكلان من أشكال سوء التغذية البروتيني الحاد.
* الموت — إذ يمكن أن تكون قلة البروتين المديدة قاتلة إن لم تُعالج.
وهذا بالضبط ما نشهده اليوم في غزة….
ومن الجدير بالذكر أن "نظام السعرات الحرارية المفروض" كان سياسة الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 2008، إلى درجة أن "نصف سكان غزة كانوا مصابين بفقر الدم بحلول عام 2016" بحسب تقارير الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وباختصار، فإن نظامًا غذائيًا قوامه 900 سعرة حرارية في الوجبة، 3 مرات يوميًا، لمدة عامين، غني بالكربوهيدرات، فقير بالبروتين، وغير متنوع (كما نراه في غزة)، يؤدي إلى:
* سوء تغذية حاد
* فقدان الكتلة العضلية
* تلف الأعضاء/ضعف المناعة
* وخطر كبير للإعاقة الدائمة أو الموت
ملاحظة جانبية
خلال العامين الماضيين، مكّن الاحتلال الإسرائيلي عصابات فلسطينية مدعومة منه (مثل **عصابة أبو شباب**) من سرقة مئات شاحنات المساعدات التي سمح الاحتلال بدخولها آنذاك… أو ببساطة قصف المساعدات بعد وصول أكياس الطعام/الطحين إلى المخازن. والأسوأ من ذلك، قصف المدنيين الجائعين الذين تجمعوا في نقاط التوزيع للحصول على أكياس الطحين من شاحنات الإغاثة… حيث ارتكب الاحتلال أكثر من **9 مجازر طحين** في عام 2024، قُتل فيها نحو **700 فلسطيني**.
كما أن الاحتلال، بالتعاون مع بعض التجار الجشعين داخل غزة، قام بتخزين شاحنات الطعام ثم رفع الأسعار بعد خلق فترات من النقص، إلى درجة أن الفلسطينيين لم يعودوا قادرين على شراء أي طعام.
وبذلك، أدخل الاحتلال الشاحنات **للبيع وليس كمساعدات**، ومع ذلك سجّلها على أنها “مساعدات إنسانية”.