بالموقع
بقلم إجاز حيدر
إجّاز حيدر هو محلل سياسي وصحفي مقيم في لاهور، باكستان، يكتب حول السياسات الخارجية وقضايا الأمن.
حالة من الترقب، والكثير من التكهنات والخوف سادت أنحاء العالم بشأن رد إيران المحتمل على الاعتداء الإسرائيلي عبر طائرة بدون طيار على المبنى الملحق بالقنصلية الإيرانية في دمشق في الأول من أبريل/نيسان الحالي… وأتى رد طهران عبر شن هجوم مباشر على كيان إسرائيل، من الأراضي الإيرانية، ليلة 13 أبريل/نيسان. وأطلق إيران على الهجوم اسم ”عملية الوعد الصادق.“
قبل ساعات قليلة من الهجوم، كنت قد كتبت مقالاً لصحيفة فرايداي تايمز، وهو موقع إخباري باكستاني مستقل، حيث ناقشت فيه انتقام طهران مقابل إمكانية انتظارها الضرب في الوقت والمكان الذي تختاره.
واستناداً إلى خيار إيران التقليدي لناحية ضبط النفس الاستراتيجي واتخاذ الإجراءات غير المباشرة، فقد أتى ترجيحي لصالح أن صُنّاع السياسات في طهران الذين يناقشون جانبي المشكلة سيلجأون للصبر بدلاً من الانتقام المباشر والفوري.
وكان أن اختارت إيران مهاجمة إسرائيل بشكل مباشر من أراضيها بدلاً من اعتمادها على حلفاءها الأقرب جغرافيا للكيان الإسرائيلي. لكن لماذا؟ مع ورود المزيد من المعلومات بعد الهجوم، بات المحللون في وضع أفضل لتكوين فكرة أكثر منطقية حول التصرف الإيراني.
لا يزال بإمكان المرء أن يجادل في مزايا الصبر. ولكن منذ وقوع الهجوم، من المهم التركيز على السبب الذي دفع طهران إلى اتخاذ إجراء ينطوي على احتمال اتجاه الأمور للمزيد من التصعيد، عمودياً وأفقياً.
خذوا بعين الاعتبار:
أولاً، ركزت معظم التقارير والتحليلات حول العالم على ”فشل“ الهجوم الإيراني —أي أن الولايات المتحدة وحلفائها وحتى إسرائيل نفسها تمكنت من تحييد ”99%“ من الصواريخ والطائرات بدون طيار الإيرانية.
لقد بالغت عدة مقالات رأي بتمجيد قدرات الدفاع الجوي البرية والجوية الغربية المثيرة للإعجاب، والتي تُعد جزءاً أساسياً من استراتيجيات الولايات المتحدة الأميركية وحلف شمال الأطلسي لمنع الوصول لمناطق محددة أو ما يُعرف بـ (Area Access/ Anti Denial A2-AD).
وفي حين أن مناقشة مثل هذه القدرات على مستوى العمليات هو أمر هام —ويمكن للمرء أن يفترض بأمان أن القيّمين على الشؤون الاستراتيجية في طهران قد ناقشوا بعمق القدرات الغربية-الإسرائيلية— لكن تركيز الجميع على فكرة الهجوم على المنطقة الممنوع الوصول إليها لا ينطوي فقط على تمييع الصورة الأكبر، بل أيضا تُشكّل محاولة للتقليل من أهمية الهجوم الإيراني بسبب المخاوف والضغوط المتصاعدة.
ولمن يتساءل ما هي الصورة الأكبر؟ لا يتعين علينا البحث عنها، لأن إيران نفسها زودتنا بالمعلومات عنها. فمن الآن فصاعدا، باتت طهران تلتزم بـ ”معادلة جديدة“ وهي أنه كلما قامت إسرائيل بمهاجمة مصالح إيرانية، ولا يهم أين، فإن الأخيرة سترد.
وبعبارة أخرى، فإن سياسة إيران السابقة المتمثلة في انتظار الوقت والرد من خلال استراتيجيات غير مباشرة او متجانسة مع الهجوم الاساسي، قد تغيّرت نحو سياسة الرد المباشر والصريح. بما معناه: لقد تم خلع القفاز من الآن فصاعداً.
ولا يعني هذا أن إيران لن تستخدم استراتيجية الهجوم غير المباشر، على حد تعبير ليدل هارت. فمن المرجح أن يحدث ذلك، ولكنه سيعتمد على طبيعة ونطاق أي عمل عدائي من إسرائيل. لكن طهران باتت اليوم ملتزمة بالرد المباشر في صراعها الهادئ نسبياً مع إسرائيل والمستمر منذ ثلاثة عقود، اضافة لركونهتا أيضًا للأساليب غير المباشرة.
وهذا ما يعقّد الحسابات الإسرائيلية ومعه الحسابات الأميركية من خلال الضغوط التصعيدية واحتمال اتساع أي صراع أفقياً وعمودياً.
ومنذ هجوم حماس على الكيان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، شهدنا بالفعل تصعيداً أفقياً مع دخول حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن وبعض الميليشيات المدعومة من إيران في العراق وسوريا إلى المعركة.
ولكن حتى الآن، بحسب المحللين الغربيين، فقد أظهر حزب الله ضبطاً للنفس، تماماً كما فعلت إيران. فعلى سبيل المثال، وبالرغم من خسارة عدد من القادة الميدانيين في الهجمات الإسرائيلية التي استهدفت الحزب اللبناني، إلّا أنّ حزب الله لم يقم بضرب عمق الأراضي المحتلة في الكيان الإسرائيلي.
ومن ناحية أخرى، لم تستمر إسرائيل فقط في تصعيد الموقف من خلال الاغتيالات التي استهدفت قادة حزب الله وحماس خارج منطقة الصراع، بل تعدّتها إلى تصعيد الوضع من خلال الهجوم على المبنى الملحق بالقنصلية الإيرانية في دمشق، وهو أمر محظور بموجب أحكام القانون الدولي.
وهذا يقودنا إلى نقطة أخرى مهمة في هذه الحلقة. فبينما نفذت إيران هجوماً مباشراً وغير مسبوقٍ ضد إسرائيل، وأبلغت عبره العالم أن هناك الآن ”معادلة جديدة“ بينها وبين إسرائيل، إلا أن طهران أظهرت ضبط النفس أيضاً.
وهناك حقيقتان مفيدتان في هذا الصدد:
أولاً، لقد أبلغت إيران الولايات المتحدة بأنها ستهاجم إسرائيل، لكن الهجوم سيكون محدوداً وسيستهدف فقط منشآت عسكرية إسرائيلية محددة.
وكما نعلم الآن، فقد استهدفت قاعدتي نڤاطيم ورامون الجويتين في جنوب فلسطين وقاعدة المخابرات الإسرائيلية في جبل الشيخ في الأراضي التي تحتلها إسرائيل والمتاخمة للبنان وسوريا.
وهذا يعني أن الولايات المتحدة كانت تعلم أن الهجوم الإيراني سيكون قوة مضادة (تستهدف القوة العسكرية/البنية التحتية)، وليس ذا قيمة مضادة (يستهدف المدن).
ثانياً، سمحت المعلومات التي وصلت لاستخبارات الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها وإسرائيل ليس فقط بمعرفة شكل الهجوم الإيراني، بل أيضاً بوضع كافة قطعها (أصولها) في المنطقة المحرّمة، براً وبحراً وجواً، في وضعية الجهوزية العالية.
ولهذا السبب أيضاً شنت إيران هجومها ضمن الشكل المتوقع الذي كانت قد أعلنته للعالم أجمع.
ويعني التنبيه الإيراني أن اختراق الدفاعات سيكون أصعب بكثير، حيث أن الطرف الآخر بات مستعداً له. ومع ذلك، مضت إيران قدماً في الهجوم. لماذا؟
يبدو أن هناك ثلاثة أسباب لذلك.
أولاً، لم يكن نجاح الهجوم هو الأكثر أهمية، بل الهجوم نفسه كجزء من استراتيجية الرد الشاملة.
ثانياً، جمعت إيران بين العزم وضبط النفس من خلال تنفيذ الهجوم واختيار الأهداف العسكرية بعناية.
ثالثاً، وهنا سأتبع التخمين في قراءة الوضع، لربما أرادت إيران أن تراقب كيف ستبلي حزمة هجماتها إزاء حالة تأهب قصوى من جهة العدو.
أما بالنسبة للنقطة الثالثة، فربما أرادت طهران أيضاً تحليل القدرات الأميركية ـ الإسرائيلية للمواجهات المستقبلية.
فعلى سبيل المثال، تشير التقارير إلى أنه من بين الأصول الأخرى (القطع العسكرية)، استخدمت البحرية الأمريكية USS Arleigh Burke وUSS Carney في شرق البحر الأبيض المتوسط صواريخ 3S للمرة الأولى في خارج مجالها لتحييد الصواريخ الباليستية الإيرانية.
وبالمثل، استخدمت إسرائيل مجموعتها الكاملة من الدفاعات الجوية ضد الهجوم الموجه نحوها:
Arrow3 Hypersonic EKV، ونظام David's Sling، ونظام Patriot، والقبة الحديدية، والشعاع الحديدي، والأخير هو نظام أسلحة موجه للطاقة للدفاع الجوي.
وتضمنت حزمة الضربات الإيرانية ذخائر للهجوم المباشر (طائرات بدون طيار) وصواريخ كروز وصواريخ باليستية. ونظراً للمسافة والسرعات المختلفة لهذه الطائرات بدون طيار (درونز) وصواريخ كروز والصواريخ الباليستية، تم إطلاق هذه المجموعات (أو الحزمات) في أوقات مختلفة وتم توقيتها بطريقة تجعلها تصل في وقتٍ واحدٍ تقريباً. لقد كان الهدف من الدرونز وصواريخ كروز هو إرباك واستنفاد قدرات الدفاعات الجوية حتى تتمكن الصواريخ الباليستية من اختراق الدرع وضرب الأهداف المقصودة.
وكما حدث، فقد نجح نحو سبعة إلى عشرة من تلك الصواريخ بضرب أهدافها. تدعي إيران أنها تسببت في أضرار جسيمة. وهو عكس ما تقوله إسرائيل لناحية أنها تسببت بأضرار طفيفة.
هذا هو المكان الذي يجب أن نعود فيه إلى الصورة الأوسع، وهي ”المعادلة الجديدة“.
والسؤال الذي يُطرح هنا يتمحور حول ما إذا كانت هذه السياسة الجديدة لإيران ستشكل قوة ردع، أي أنّها ستجبر إسرائيل على إعادة التفكير في سياستها الراسخة والمتمثلة في إيذاء المصالح الإيرانية سراً وعلناً. إحساسي الخاص هو أن ذلك (خلق حالة ردع في وجه اسرائيل) لن يحدث. فسياسة "العين بالعين“ لا تعمل بشكل أفقي في حالات الردع التقليدي الذي يتطلب تكرار الصراع مع إحداث تفوّق لصالح جانب واحد في هذا الصراع.
علاوة على ذلك، يتطلب خلق حالة الردع تجاه إسرائيل، زيادة التفوق المستمر للجانب الآخر، على نسق حروب إسرائيل التي تكررت في الماضي ضد مصر والأردن وسوريا.
وعلى هذا فإن الردع التقليدي يختلف عن الردع النووي في جوانب عديدة. فالردع النووي على المستوى الأساسي يرتكز على تقييم جميع الأطراف بأن تكلفة الهجوم أعلى بكثير من فائدة التقاعس عن الهجوم، أو إبقاء الحالة كما هي عليه، إن صح التعبير.
وبعبارة أخرى، إذا ردّت إسرائيل في وقت ومكان من اختيارها، وهو ما أعلنته، فسوف يكون لزاماً على إيران، نظراً لنهجها الحالي الذي اعتمدته مؤخراً، أن ترد. ومع ذلك، فإن ذلك يعتمد على طبيعة ونطاق أي هجوم. فلم يتم الاعتراف رسمياً من قِبَل إسرائيل أو الولايات المتحدة بالهجوم الإسرائيلي المحدود والمزعوم على منشأة عسكرية في أصفهان ليلة/صباح يوم 18-19 أبريل/نيسان. وقد قللت إيران من أهميته من خلال الإبلاغ عن عدم وقوع أي ضرر على الأرض. ومن الواضح أن طهران، بالنظر إلى النطاق المحدود للغاية للهجوم، لا تريد التصعيد. ويبدو أيضاً، أنه على الأقل في الوقت الحالي، ما لم تستخدم إسرائيل هذا الهجوم للقيام بهجوم أكبر في المستقبل، فقد تم وضع حد لأي تصعيد مباشر إضافي في الوقت الحالي.
لكن تجدر الإشارة إلى أن الحال لن يكون نفسه إذا ما قامت إسرائيل بهجوم أكبر وأكثر فتكاً يستهدف في الواقع المصالح والأصول الإيرانية الأساسية كمنشأة نووية على سبيل المثال. ومن الممكن أن يغير ذلك حسابات إيران. وأي تبادلات من هذا القبيل، سواء كانت فورية أو متفرقة زمنياً، سيكون لها القدرة على توليد دوامة. وبمجرد حدوث ذلك، ستدخل المنطقة المجهول، بل وحتى جغرافيا قد تتوسع رقعة الصراع، وسيكون الوضع أقرب إلى حالة السقوط الحر.
&