صوت السودان الغائب
مع تصدي الجيش السوداني لقوات الدعم السريع، تُكثّف وسائل الإعلام الرئيسية حملتها المضلِّلة
خاص بالموقع
بقلم نون مزمل الشريف
تستمر الحرب في السودان منذ أكثر من عام، وقد أُعلنت كأكبر أزمة إنسانية في العالم.
الجميع يتفق على ضرورة إنهاء الحرب، لكن هناك خلاف واسع حول تسلسل الأحداث المطلوب لتحقيق ذلك.
أما بالنسبة للشعب السوداني، فالإجابة واضحة تمامًا: إنهاء الحرب يعني ببساطة طرد ميليشيا قوات الدعم السريع.
ومع أن 10% فقط من السكان في السودان يتحدثون الإنجليزية، وغالبية الأخبار تنشر بالعربية، تُترك الحوارات حول الحرب باللغة الإنجليزية للإعلام الغربي والجاليات السودانية في الخارج، الذين يفرضون في كثير من الأحيان رواياتهم، ويصورون الحرب على أنها "صراع على السلطة" أو "حرب بين جنرالين".
المجزرة الأخيرة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في قرية ود النورة بولاية الجزيرة، زلزلت المجتمع السوداني، لكنها في الوقت نفسه كشفت حقيقة بعض الجهات التي امتنعت عن اتهام قوات الدعم السريع بشكل مباشر.
في 5 يونيو، دخلت قوات الدعم السريع إلى القرية، وهاجمت المدنيين العزل، كما فعلت في مناطق أخرى، ونهبت ودمرت في المجتمعات التي استهدفتها.
لم تكن القوات المسلحة السودانية موجودة في ود النورة أثناء المجزرة. لم تقع أي اشتباكات بين الطرفين، ولا يوجد أي مبرر لعدد القتلى المرتفع.
صرّح نور الدين عبد الحميد، أحد وجهاء قرية ود النورة، خلال مؤتمر صحفي، أن عدد القتلى جراء الهجوم على القرية بلغ 227 شخصًا، في حين بلغ عدد الجرحى 300 شخص نتيجة هجمات الدعم السريع.
وبعد المجزرة، زعم متحدث باسم قوات الدعم السريع أنهم كانوا يستهدفون "داعش".
لكن الادعاءات الكاذبة لم تتوقف عند هذا الحد، إذ ادعى المتحدث أن "لا أطفال قُتلوا"، خلافًا لتقرير صادر عن الأمم المتحدة، والذي وثق مقتل ما لا يقل عن 35 طفلًا في مجزرة ود النورة.
للأسف، أصبح استخدام اللغة السلبية وغير المباشرة في الإعلام الغربي عند الحديث عن الحرب في السودان ظاهرة متكررة. يُقال إن المدنيين "قُتلوا" أو "تعرّضوا للاغتصاب"، وتنتشر عناوين مبهمة دون ذكر الجناة. وبهذا، لا تكون قوات الدعم السريع وحدها من يُخفي الحقيقة وينفي المسؤولية عن نفسه.
وكالة الأنباء الأميركية أسوشيتد برس (AP)، التي تتخذ من نيويورك مقرًا لها، نشرت عنوانًا مضللًا بعد مجزرة ود النورة جاء فيه:
"اشتباكات بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني تسفر عن مقتل 100 شخص على الأقل".
وبهذا، نشرت AP خبرًا كاذبًا بشكل فاضح، زاعمة وجود الجيش السوداني أثناء المجزرة، كما صوّرت الضحايا على أنهم ضحايا عرضيونفي سلسلة أحداث "مؤسفة".
هذا غير مقبول، خصوصًا مع شهادات الناجين من قرية ود النورة الذين أكدوا أن قوات الدعم السريع ذهبت من منزل إلى منزل، تقتل المدنيين الأبرياء غير المسلحين. إنها تشويه فاضح للواقع، لا يخدم سوى رواية "الطرفين مذنبان" ويُبعد اللوم عن قوات الدعم السريع عمدًا.
وفي الأيام التالية، ظهرت عناوين أخرى أكثر ضررًا وأقل حيادية. موقع ReliefWeb، ومقره أيضًا في نيويورك، كتب:
"مقتل وإصابة 55 طفلًا على الأقل خلال القتال في ود النورة، السودان".
وهذا العنوان يوحي أيضًا بأن الضحايا مجرد "أضرار جانبية".
في السودان، لا مجال للشك حول الجهة التي ترتكب أغلب أعمال العنف ضد الشعب وتحاول تفكيك الدولة السودانية. ومع ذلك، يصر الإعلام الغربي على فرض رواياته التي لا تُفسر إلا كتبرير لجرائم الحرب بما يخدم أجنداته.
كما أن السودان تعرّض للخيانة من جيرانه.
رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسى فكي، أصدر بيانًا أدان فيه المجزرة بشكل مباشر، إلا أن استخدامه للغة سلبية خفّف من وقع الإدانة. فقد قال:
"هذا العدد الفادح من القتلى تذكير قاتم بأن النساء والأطفال يدفعون الثمن الأكبر في هذه الحرب العبثية التي تتسبب فيها الأطراف المتحاربة".
هذه الصيغة تتجنب توجيه الاتهام بشكل صريح للجاني الحقيقي، قوات الدعم السريع، بالرغم من وجود شهادات محلية وتقارير دولية تؤكد تورطهم.
بل وأكثر من ذلك، قام فكي بلوم القوات المسلحة السودانية (الجيش السوداني الوطني)، بوضعه في نفس كفة الجناة، عندما شدّد في بيانه على:
"ضرورة محاسبة مرتكبي مثل هذه الفظائع على الفور".
كما أضاف أن الطرفين المتحاربين في السودان يجب أن "يعودا فورًا إلى عملية وقف إطلاق النار في جدة..."
وبهذا، حوّل فكي المجزرة إلى ورقة ضغط، ليخبر العالم أن على الأطراف العودة إلى مفاوضات جدة، مما يصوّر الجيش السوداني على أنه الطرف المعطل لعملية السلام، لأنه رفض الاستمرار في التفاوض.
إن اللغة السلبية والعناوين المبهمة يجب أن تتوقف، ويجب أن تُحاسب قوات الدعم السريع بشكل مباشر على جرائم الحرب التي ارتكبتها ضد السودانيين.
من الضروري تصحيح الرواية حول ما يحدث فعلاً في السودان، والتصدي للروايات الغربية، والدعاية، والمعلومات المضللة، من خلال إبراز صوت الشعب السوداني الحقيقي.
وفي هذا السياق، يصبح من الملح توحيد الرواية الإعلامية، سواء في اللغة الإنجليزية أو العربية، كي يسمع العالم صوت السودان الحقيقي.