ليلى حاطوم
(X: @Leila1h)
لن يكون من المبالغة القول إن الحروب في القرن الحادي والعشرين قد تطورت إلى ما هو أبعد بكثير من ميادين القتال التقليدية والأسلحة التقليدية.
فاليوم، تستثمر الدول بشكل كبير في التقنيات المتقدمة لاستخدامها في حروبها الحديثة. ويشمل ذلك الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وجمع وتحليل البيانات الضخمة.
ولمن يريد فهماً أعمق لهذا التطور، يمكنه قراءة مقالنا بعنوان "الإبادة الجماعية على الطيار الآلي" الذي كتبه زميلنا @NYplaid، والذي يوضح كيف ساهمت شركات التكنولوجيا العملاقة مثل Palantir وGoogle وغيرها في تطوير الحرب الحديثة من خلال أنظمتها المعتمدة على الذكاء الاصطناعي والتقنيات الذاتية.
وبهذا، فإن الدول التي تستثمر في الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات الضخمة لا يمكنها فقط تحقيق فوائد استراتيجية، بل قد تسيطر أيضاً على كيفية خوض الحروب، بل وربما كسبها.
يمكن تقديم ثلاث أمثلة بسيطة وواقعية على كيفية تأثير الحروب الحديثة، باستخدام التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، في تعزيز الاستراتيجيات والقدرات العسكرية، وبالتالي إعادة تشكيل الحروب ونتائجها.
أحد هذه الأمثلة هو الضربات بالطائرات المُسيّرة، والآخر هو برامج الخوارزميات القاتلة مثل حابسورا و لافندر المثيرين للجدل اللذين تستخدمهما قوات الاحتلال "الإسرائيلي" (iOF)، والثالث هو دور عمالقة التكنولوجيا مثل شركة Palantir Technologies وGoogle.
لقد كتبنا مقالة حول حابسورا و نظام Google المسمى "نيمبوس" وكيف أنهما غيّر قواعد اللعبة، هذا الاخير قد يورط عملاق التكنولوجيا الأميركي في الجرائم الجارية في غزة، مما قد يعرضه للمساءلة القانونية. يمكنك الاطلاع على المقال في موقعنا. لكن لأغراض التبسيط، سنركز في هذا المقال على دور برنامج لافندر شركة Palantir Technologies. ومع استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات الضخمة، تُطرح أسئلة أخلاقية تتعلق بالخصوصية وغيرها من القضايا. لكن عندما تتحول الحرب الحديثة إلى إبادة جماعية وتطهير عرقي، حيث تكون حياة ملايين المدنيين على المحك، تظهر هنا القضايا الإنسانية، خصوصاً عندما تصبح النساء والأطفال أهدافاً رئيسية.
وفي هذا السياق، فإن التقنيات المتقدمة تشكل مخاطر جسيمة يجب على البشرية كبحها من خلال فرض المساءلة كوسيلة ردع لحماية أرواح المدنيين. وبالتالي، يصبح من الضروري ضمان أن تخدم التكنولوجيا الإنسان بدلاً من أن تساهم في إنهائه.
إن استخدام الاحتلال "الإسرائيلي" لبرنامج "لافندر" وغيره من الأنظمة، إلى جانب الهجمات التي تُنفذ من خلال أساليب استهداف تعتمد على وسائل الاتصال مثل اللاسلكيات وأجهزة النداء (البيجر)، والضربات بالطائرات المسيّرة في كل من فلسطين ولبنان — والتي كنت شاهداً مباشراً عليها كصحفي حربي غطّى النزاع من الخطوط الأمامية خلال العامين الماضيين — قد أسفرت عن مقتل آلاف المدنيين. وهذا يتطلب وضع قواعد أخلاقية واضحة تُفرض على الجيوش، لمنعها من ارتكاب جرائم حرب باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تطورها شركات التكنولوجيا الكبرى.
تُعدّ الطائرات المُسيّرة (الدرونز) المثال الأبرز على كيفية استفادة الجيوش من التقنيات المتقدمة في الحروب، سواء في أعمال الاستطلاع والتجسس، أو الهجمات الانتحارية، أو حتى في عمليات الاستهداف الدقيق من مسافات بعيدة، مما يقلّل من خسائر القوى البشرية التي كانت الجيوش تتكبدها في الحروب التقليدية. وقد استخدمت الولايات المتحدة، على وجه الخصوص، الطائرات المُسيّرة على نطاق واسع في القيام باستهدافات في كل من اليمن، والعراق، وأفغانستان، والصومال، وغيرها من الدول.
ورغم أن مؤيدي هذه الضربات يعتبرونها فعّالة ودقيقة، إلا أن منتقديها يرون أنها تؤدي إلى مقتل مدنيين، وتغذي مشاعر العداء للغرب، وتشكّل سابقة خطيرة للاغتيالات خارج نطاق القانون.
ففي وقت احتفلت فيه الولايات المتحدة و حليفتها ”اسرائيل“ في العام 2020 باغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني في بغداد يضربة جويّة، معتبرين أنه تمت تصفية "هدف عالي القيمة“ دون الحاجة إلى حرب شاملة، إلّا أن هذه العملية التي خرقت سيادة دولة أخرى (العراق)، لتطال جنرالاً رسميا في دولة سيادية (إيران)، دون أن يكون له ارتباط بالحرب على الوجود الأميركي في المنطقة، شكّل إعلان حرب أميركي، و جرّ المزيد من مشاعر الكراهية للولايات المتحدة و حلفاءها.
كل ما عليكl فعله هو الاستماع إلى ردود أفعال قادة الجيش الأميركي والمسؤولين الأميركيين على هذه الحادثة لتفهموا كيف اعتبروا عملية الاغتيال المستهدف، رغم أنها لم تكن مبررة أو ضرورية، انتصارا. ولا حاجة للقول إن سليماني، الذي أنشأ محور المقاومة في منطقة الشرق الأوسط وساهم في تدريب وتسليح مقاتليه، كان يُشكّل تهديداً للاحتلال "الإسرائيلي" أولاً وقبل كل شيء.
كما وأن هذه العملية لم تُشكّل سوى نسبة ضئيلة جدًا من ما يُسمّى بـ"الضربات الدقيقة". فالغالبية العظمى من الضربات التي نفذها كيان الاحتلال الإسرائيلي في كل من لبنان وإيران والعراق واليمن وفلسطين أسفرت عن سقوط آلاف الضحايا المدنيين، وكذلك الحال بالنسبة لضربات الطائرات المسيّرة الأمريكية التي استهدفت مدنيين في اليمن وأفغانستان والعراق.
وما يلفت الانتباه هو استمرار الدعم الذي قدّمته طائرات التجسس الخاصة بـ"الحرب التكنولوجية" التابعة للولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لحليفهم في جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال العامين الماضيين في كل من فلسطين ولبنان، ما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا المدنيين في هذين البلدين.
لقد تابعت شخصيا حركة طائرات الأواكس الاميركية و المسيّرات التجسسية البريطانية وهي تحلّق فوق سماءنا وبحرنا في لبنان طيلة العامين الماضيين. وقد أثار فريقنا في MENA Uncensored مخاوف بشأن دور تلك الطائرات التجسسية في مساعدة الاحتلال الإسرائيلي على استهداف المدنيين وعمال الإغاثة الإنسانية، بما في ذلك في حادثة هجوم طائرة مُسيّرة تابعة لقوات الاحتلال (iOF) على موكب منظمة World Central Kitchen (WCK) في غزة العام الماضي، حيث رافقت طائرة تجسس بريطانية طائرات الاحتلال المُهاجمة آنذاك.
إن الاعتماد على أنظمة استهداف ذاتية أو شبه ذاتية يثير أسئلة أخلاقية، خاصة مع تطور قدرات الذكاء الاصطناعي، حيث تزداد المخاوف من اتخاذ الآلات قرارات مصيرية دون رقابة بشرية كافية.
استخدام الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف
مثال آخر على الحروب التكنولوجية هو استخدام كيان الاحتلال الاسرائيلي لنظام ذكاء اصطناعي يُعرف باسم ”لافندر“، ضمن برامج أخرى خلال عمليات الاحتلال العسكرية في غزة. ووفقاً لتقارير استقصائية، صُمم البرنامج لرصد مشتبهين بانتمائهم إلى حركة حماس عبر تحليل كميات ضخمة من البيانات، بما في ذلك بيانات الاتصالات، وأنماط الحركة، والانتماءات الشخصية.
وبحسب التقارير، فإن البرنامج أنتج عشرات آلاف الأهداف المحتملة، مع تدخل بشري محدود في التحقق منها، مما أدى لسقوط عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين، وهو ما يستند اليه منتقدو "لافندر" حيث أن البرنامج صنّف أشخاصاً على أنهم أهداف بناءً على مزاعم اسرائيلية بوجود روابط بأنشطة مسلحة، فيما كانت هذه الروابط ضعيفة او منعدمة. وأكبر دليل هو استهداف الاحتلال للكوادر الطبية والاعلامية و عائلاتهم بشكل مباشر.
وأوضح مثال على ذلك هو اغتيال الصحفي الفلسطيني البارز أنس الشريف وأربعة من زملائه، حيث زعمت قوات الاحتلال الإسرائيلي لاحقًا أنه كان على صلة بحركة حماس، مستندةً إلى صور له وهو يقف مع رئيس وزراء غزة السابق وزعيم حماس السياسي إسماعيل هنية كدليل على ذلك.
ومن البديهي أن من مهام الصحفي إجراء مقابلات مع المسؤولين والأشخاص من مختلف فئات المجتمع. وإذا كان لديك شك في هذا الأمر، فما عليك سوى مراجعة المقابلات التي أجرتها قنوات مثل CNN وABC وCBS وغيرها من وسائل الإعلام الأمريكية والغربية مع من تُصنّفهم الولايات المتحدة وأوروبا كـ "إرهابيين"، مثل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، ورئيس جبهة النصرة السابق (ذراع القاعدة في الشام) أبو محمد الجولاني، الذي نصّب نفسه اليوم رئيسًا لسوريا، أو ما تبقى منها.
ويطرح هذا المثال نموذجاً لما يُسمّى "الجانب المظلم" من الحروب الخوارزمية، حين تُقدَّم السرعة وتحكّم البيانات على حساب الحكم البشري والمساءلة الأخلاقية. وبينما يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين سرعة الاستجابة، فإن استخدامه في مناطق مكتظة بالسكان دون قواعد اشتباك واضحة يثير تساؤلات أخلاقية عميقة.
في المقابل تلعب شركة "بالانتير تكنولوجيز"، وهي شركة أميركية لتحليل البيانات الضخمة، دوراً أقل وضوحاً ولكنه شديد التأثير في الحروب الحديثة. تُستخدم منصاتها من قبل أجهزة الاستخبارات والدفاع لتحليل ودمج كميات هائلة من البيانات، بدءاً من مستشعرات المعارك وصور الأقمار الصناعية وحتى وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك لدعم عمليات صنع القرار.
بينما تؤكد القوات الأمريكية ادعاءات ”بالانتير"أن برنامجها ساعد في التنبؤ بمواقع العبوات الناسفة وتحديد شبكات التمرد خلال عملياتها في العراق وأفغانستان، فإنها تتجاهل بشكل صارخ الأضرار الناتجة عن سوء استخدام البيانات التي أدت إلى استهداف المدنيين.
كما تعاونت "بالانتير" مع القوات الأوكرانية في معالجة بيانات ساحة المعركة، وتقييم تحركات القوات، وتحسين اللوجستيات في الحرب المستمرة مع روسيا. وما لا يُذكر هو فشل هذا البرنامج في منح القوات الأوكرانية ميزة حاسمة أمام التقدم الروسي المستمر، مما يطرح تساؤلات جدية حول فعالية هذه التكنولوجيا في ساحات القتال الحقيقية.
عادة، يُتوقّع من برامج شركة "بالانتير" تحويل البيانات الخام إلى معلومات استخبارية قابلة للتنفيذ، مما يمكّن القادة العسكريين من اتخاذ قرارات أسرع وأكثر استنارة. ومع ذلك، عندما يتم تفسير البيانات بشكل خاطئ أو تكون معيبة من الأساس، يمكن لتلك المعلومات نفسها أن تُستخدم كمبرر لاستهداف المدنيين، ومن ثم تحويل اللوم إلى التكنولوجيا بدلاً من المسؤولين عن إصدار الأوامر. بالإضافة إلى ذلك، فإن تخزين كميات هائلة من المعلومات في مكان واحد يثير مخاوف بشأن التوسع المفرط في المراقبة، واحتمال إساءة استخدامها في السياقات المدنية.
ومما لا شك فيه أن استخدام التكنولوجيا المتقدمة في الحروب قد زاد من فعالية ودقة العمليات العسكرية. لكن في الوقت ذاته، نقل عبء اتخاذ القرارات الأخلاقية إلى أنظمة قد تفتقر إلى الحس البشري والمساءلة.
تُبرز الضربات بالطائرات المسيّرة إغراء بالنسبة للحرب عن بُعد لكن دون الأخذ بعين الاعتبار استهداف المدنيين بل وحتى اعتبارهم، من بعض الجنرالات، ”ضحايا عرضيين“.
أما فيما يتعلق ببرامج مثل "لافندر"، فهي تُظهر لنا كيف يمكن للأتمتة أن تُفرّغ القرارات العسكرية من حساسيتها الأخلاقية، أو تعطيها الذرائع التي تحتاجها من اجل ارتكاب تجاوزات لاأخلاقية بل و ترقى لجرام حرب و جرائم ضد الإنسانية.
وفي الوقت نفسه، تُجسّد "بالانتير" ليس فقط قوة البيانات، لكن تتجاهل عن قصد الكلام عن مخاطر تحويلها لبرامج تجسس و ابتزاز واستهداف كما هو حاصل في فلسطين المحتلة وخاصة في غزة.
ومع تحوّل الحروب التكنولوجية إلى واقع جديد، يواجه العالم أسئلة مصيرية: من يتحمّل المسؤولية عندما تُخطئ الآلة؟ كيف نضمن الشفافية في الاستهداف الخوارزمي؟ وما هي الأطر القانونية والأخلاقية التي ينبغي وضعها لضبط هذا الشكل الجديد من الصراع؟