@Tseday
إثيوبيا، بلد غنيٌّ بالتاريخ والتراث الثقافي، يقف اليوم عند مفترق جغرافي حرج في القرن الإفريقي.
معروف بتنوّعه الإثنيّ وحضارته القديمة، و الأهمية التاريخية لإثيوبيا عميقة.
من أبرز الأحداث التاريخية الهجرة الأولى، حين لجأ أوّل أتباع الإسلام إلى مملكة أكسوم، حيث وجدوا ملاذًا تحت حكمٍ عادل. هذا الحدث يرمز إلى تقليدٍ طويل لإثيوبيا في تقديم الملجأ وتحقيق العدالة.
لكن إثيوبيا اليوم تحت قيادة رئيس الوزراء آبيي أحمد، قائد يختلف اختلافًا كبيرًا عن الحاكم العادل في الهجرة الأولى.
حصل أحمد على جائزة نوبل للسلام في العام 2019، وقد احتُفي به أولًا لجهوده في تحقيق السلام مع إريتريا. إلا أن فترته في الحكم شهدت منذ ذلك الحين صراعات داخلية، وسوء إدارة مالية، وانتهاكات لحقوق الإنسان.
يستعرض هذا المقال احتمالية دخول إثيوبيا في حرب على البحر الأحمر، خدمةً لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات خطيرة على الشعب الإثيوبي.
صعود أحمد والحالة المبدئية
إن تولّي أحمد السلطة عام 2018 أثار تفاؤلًا واسعًا. جهوده المبكّرة للإصلاح الحكومي، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وتحقيق السلام مع إريتريا، ظُفرت بتقدير كشفت عنه جائزة نوبل للسلام في 2019. لكنّ هذه الإنجازات تلاشت سريعًا.
لقد تميّزت إدارته بصراعات وحشية في عدة مناطق، خصوصًا الأوروميا، وتيجراي، وأمٙهرا. الحرب الأهلية في تيغراي، التي بدأت في نوفمبر 2020، كانت مدمّرة بشكل خاص. ظهرت تقارير عن ارتكاب فظائع، بما في ذلك القتل الجماعي، والعنف الجنسي، والنزوح القسري. تم اتهام الحكومة الإثيوبية وحلفائها، بما في ذلك القوى الإريترية، بارتكاب إبادة جماعية بحق سكان تيغراي.
في أوروميا، أكبر مناطق إثيوبيا من حيث عدد السكان، تشن الحكومة حملة عنيفة ضد جيش تحرير الأورومو (OLA). كما وردت تقارير عن صراعات عنصرية وعنف تدعمه الدولة في منطقة أمهرا، مما زاد من التوترات الإثنية والأزمات الإنسانية في البلاد.
التداعيات الاقتصادية والاجتماعية
لم تدمر الصراعات الممتدة النسيج الاجتماعي لإثيوبيا فحسب، بل أغرقَت البلاد أيضًا في ضائقة اقتصادية. ففي وقتٍ كان يُشاد فيه بالاقتصاد الإثيوبي كأحد الأسرع نموًا في إفريقيا، أصبح حاليًا يواجه تحديات حادة. تكلفة الحرب، إلى جانب سوء الإدارة والفساد، أدّت إلى إفلاس مالي.
انخراط محتمل في صراع خارجي لأجل العملات الأجنبية
لم تمنع الصراعات الداخلية رئيس الوزراء أحمد من السعي للانخراط في نزاعات خارجية. هناك تكهّنات متزايدة بأنه في محاولة يائسة لتأمين العملات الأجنبية، قد تدخل إثيوبيا قريبًا حربًا في البحر الأحمر ضد القوات المسلحة اليمنية (المعروفة أيضًا بأنصار الله أو الحوثيين)، خدمةً لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها.
البحر الأحمر هو مسار بحري حيوي، أساسي للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة. القوات المسلحة اليمنية تعيق التدفق الحر للتجارة البحرية، مستهدفة السفن المتجهة إلى إسرائيل ومُسببة اضطرابات كبيرة منذ ديسمبر 2023. الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وحلفاؤهم لم ينجحوا في تحييد القوات اليمنية، مما دفعهم للنظر في إشراك قوى إقليمية مثل إثيوبيا.
الهدف من النشاط اليمني في البحر الأحمر هو ردع “الكيان الإسرائيلي” عن مواصلة القتل الجماعي للمدنيين الفلسطينيين في ما يُوصف الآن بإبادة الاحتلال الإسرائيلي المستمرة في غزة. من خلال استهداف السفن المتجهة إلى الكيان الإسرائيلي، تهدف القوات اليمنية إلى الضغط لإيقاف هذه الجرائم فورًا.
لماذا الحرب ستكون كارثة لإثيوبيا
الدخول في حرب ضد اليمن سيكون جنونًا مطلقًا، خاصة أنها ليست حرب إثيوبيا، ولا تخدم مصلحة الشعب الإثيوبي.
الإمارات العربية المتحدة، لاعب رئيسي في المنطقة، استثمرت كثيرًا في إثيوبيا منذ تولّي أحمد الحكم. استثمارات الإمارات تمتد لعدة قطاعات، منها الزراعة والبنى التحتية والطاقة. ولكن هذه الاستثمارات ترافقها توقعات بالدعم السياسي والعسكري.
خلال السنوات الماضية، لم تُطهّر الإمارات علاقاتها مع الكيان الإسرائيلي فحسب، بل عزّزت تحالفها مع الأخير ومع الولايات المتحدة، مما جعل مصالحها الجيوسياسية متطابقة في البحر الأحمر مع تلك الدول.
رغبة أحمد في إشراك إثيوبيا في حرب لا تصبّ في مصالحها الوطنية، تُظهر أجندته الشخصية وأنه على استعداد للتضحية بحياة الإثيوبيين للحفاظ على السلطة وضمان الدعم الخارجي. في مقابلة مع The New Yorker قبل حوالي سنتين، أعرب أحمد عن استعداده للقتال والموت من أجل الولايات المتحدة، متباهياً باستعداد إثيوبيين للمشاركة في حروب أجنبية.
الرأي العام والشرعية الداخلية
هذا الطموح المتهور يتجاهل الشعور الغالب لدى الإثيوبيين، الذين يقفون متضامنين مع الفلسطينيين ويعارضون أي تورط في الصراع البحري. الحرب في البحر الأحمر لن تزد الأزمة الداخلية لإثيوبيا إلا تفاقمًا، بل ستجرّ البلاد إلى صراع دولي معقد وأخلاقيًا مشكوك فيه.
رغم الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان تحت حكم أحمد، لم تفعل المؤسسة الدولية الكثير لمحاسبته بشكل حاسم. الدول القوية، بما فيها الإمارات، واصلت دعم الحكومة الإثيوبية مدفوعةً بمصالحها الجيوسياسية الخاصة.
استثمارات الإمارات الكبيرة في إثيوبيا ليست بدافع الخير فقط. إنها جزء من جهد استراتيجي لتأمين حليف في القرن الإفريقي، منطقة ذات أهمية جيوسياسية هائلة. ويبدو أن دعم ثاني أكبر دولة في مجلس التعاون الخليجي لنظام أحمد، سمَح باستمرار الحرب والمعاناة في إثيوبيا. بذلك، من خلال محاذاة الحكومة الإثيوبية نفسها مع الإمارات، فضّلت المصالح الخارجية على رفاهية مواطنيها.
الدعوة للمساءلة
إنّ صمت المجتمع الدولي تجاه الفظائع الموثَّقة التي يرتكبها نظام أحمد صاخبٌ. فمنظمات حقوق الإنسان قد وثَّقت الكثير من الانتهاكات، ولكن القوى العالمية فشلت في اتخاذ إجراء حاسم. و ذاك الحاصل على جائزة نوبل للسلام، الذي كان يومًا رمزًا للأمل والمصالحة، بات الآن يمثل نظامًا مسؤولًا عن معاناة شاملة وعدم استقرار.
رئيس الوزراء آبيي أحمد، الذي كان يُحتفى به من أجل جهوده السلامية، أغرق بلاده الآن في حرب أهلية، وبؤس اقتصادي، واحتمالية الانخراط في صراع دولي على البحر الأحمر.
إثيوبيا، بلد ذو تاريخ عريق وتراث في تقديم الملجأ للآخرين، لكن هذه الدولة تعيش الآن تحت قيادة ظالمة تسعى بكلّ يأس للحفاظ على السلطة مهما كلف الأمر، حتى لو كان الثمن أرواح ومستقبل أبناء الشعب الإثيوبي.
بينما القوات المسلحة اليمنية تنخرط في البحر الأحمر، تحت القوانين والمعايير الدولية، لردع الاحتلال الإسرائيلي عن الاستمرار في التطهير العرقي لغزة، فإنّ انخراط إثيوبيا سيُدمِر مزيدًا من المعاناة في كلا المنطقتين.
شعب إثيوبيا يستحق قائدًا يُعطي الأولوية لسلامهم ورفاههم قبل التحالفات الخارجية والسلطة الشخصية. في هذا الظرف الحرج، يجب أن تُسمع أصوات شعبه، ويُدافع عن حقوقهم. لا بدّ من كبح جنون الحرب، وإنفاذ المساءلة الدولية.