بصفتي مراقباً مستقلاً لا مصلحة لي سوى في استكشاف ما هو جيد لبلدي الحبيب، أشعر بأنني ملزم بالتعليق على الرسالة التي وجهها حزب الله إلى رؤساء السلطات الثلاث في البلاد. وإليكم ما أقوله:
إنني لا أرى في هذا البيان مجرد رسالة سياسية، بل أراه "وثيقة إعادة تموضع استراتيجي" ترسم ملامح "لبنان ما بعد حرب 2024".
إنه نصٌّ هادئ في صياغته، لكنه يحمل في طياته "هزةً" تعيد تحديد ثوابت وقواعد الاشتباك السياسي والدستوري.
لفهم هذا النص، يجب علينا تفكيكه إلى طبقاته المتعددة، بعيداً عن ضجيج الاصطفاف، وبمنهجية تحليلية بحتة.
الطبقة الأولى: تشريح النص (ماذا قيل؟)
إنني أرى أن الرسالة مبنية على ثلاث ركائز متسلسلة ومنطقية من منظور كاتبها:
الركيزة القانونية-الدبلوماسية: يبدأ البيان بتأكيد الالتزام بوقف إطلاق النار، وربطه بالقرار 1701. هذا يضعه في موقع "الطرف الملتزم" و"صاحب الحق" في مواجهة "الخرق الإسرائيلي". هذه هي الواجهة الدبلوماسية الضرورية لكسب الشرعية الدولية.
الركيزة السياسية-العقائدية: هنا يكمن جوهر الرسالة. الفصل التام والحاسم بين "الالتزام بوقف النار" وبين "موضوع سلاح المقاومة". الرسالة تقول إن الأول مرتبط بآلية تنفيذية (جنوب الليطاني)، بينما الثاني مرتبط بـ "استراتيجية دفاعية" وطنية شاملة، وهو نقاش مؤجل إلى "أجل غير مسمى" عملياً.
الركيزة الوطنية-الدستورية: وهي النقطة الأكثر حساسية. عبر مصطلحات مثل "مكون مؤسس" و"حقنا المشروع" و"الوقوف إلى جانب جيشنا"، يعيد الحزب تعريف دوره. هو لا يقدم نفسه كـ "حزب سياسي" أو "ميليشيا" (كما قد يصفه البعض)، بل كـ "ضامن وجودي" للكيان، موازٍ في شرعيته، إن لم يكن أسمى، من المؤسسات القائمة.
الطبقة الثانية: المتلقون (لمن وُجِّهت الرسالة؟)
الرسالة موجهة بالاسم للرؤساء الثلاثة، لكنني أرى أن قائمة المتلقين الحقيقيين أوسع بكثير:
للرؤساء الثلاثة (السلطة الدستورية): الرسالة لهم هي "تحديد سقف التفويض". إنها تقول: "لكم إدارة الدولة، ولنا قرار القضايا الوجودية". هي اعتراف بسلطتهم الإدارية، وتحجيم لسلطتهم الاستراتيجية.
للوسيط الأمريكي (توماس براك): هي "لا" دبلوماسية قاطعة. مضمونها: "لا تفاوض على السلاح. الأوراق التي في يدكم (إعادة الإعمار، الضغط السياسي) لن تشتري ما عجزت عنه القوة العسكرية".
للعدو الإسرائيلي: هي رسالة "تثبيت ردع". مضمونها: "وقف إطلاق النار ليس هزيمة أو استسلاماً. أي محاولة لفرض شروط جديدة عبر السياسة ستُواجه بنفس منطق القوة".
للقوى السياسية الداخلية: هي "قطع للطريق". تمنع الخصوم من استخدام المفاوضات كرافعة للضغط الداخلي، وتذكر الحلفاء بحدود التسوية المسموحة.
الطبقة الثالثة: المتلقي الصامت (المؤسسة العسكرية)
وهنا، أرى أن الرسالة تحمل بُعداً إضافياً شديد الأهمية موجهاً للمتلقي الرابع، الذي لم يُذكر إلا عرضاً: قيادة الجيش اللبناني.
ليست مجاملة: عبارة "الوقوف إلى جانب جيشنا" ليست مجرد تلطيف للخطاب. إنها "ترسيم حدود وظيفي".
تكامل أم توازٍ؟: الحزب يطرح نفسه كقوة "مكملة" للجيش في الدفاع، ولكن بشروطها الخاصة. هو يمنع أي سيناريو مستقبلي قد يضع الجيش في مواجهة مع المقاومة بتكليف سياسي أو دولي.
موقف قائد الجيش (العماد عون): هذه الرسالة تضع المؤسسة العسكرية، وقائدها، في موقع "ضابط الإيقاع" الحساس. مهمته ليست "حل" الإشكالية، بل "إدارة" التناقض القائم. سيبقى على مسافة واحدة من الالتزام بالشرعية الدولية (التي تمثلها الحكومة) والاعتراف بالواقعية الميدانية (التي تفرضها المقاومة)، لضمان منع انزلاق البلاد نحو صدام داخلي، وحماية المؤسسة العسكرية من الانقسام.
الطبقة الرابعة: التداعيات والآثار (ماذا بعد؟)
هذه الرسالة، بحد ذاتها، هي "حدث" يغير موازين المرحلة المقبلة:
على مستوى الحكومة (رئيس الحكومة نواف سلام): إن مصطلح "الخطيئة الحكومية" الوارد في الرسالة، يجعله المعني المباشر بهذا التوصيف. هذا يضعف موقفه التفاوضي، ويقيد حركته السياسية والدبلوماسية بشكل ملحوظ، إذ بات أي تحرك حكومي مستقبلي في هذا الملف خاضعاً للتدقيق مقارنةً بهذا "السقف" الذي رُسم.
على مستوى البيئة الحاضنة: هي رسالة "طمأنة" و"تثبيت للنصر". تقول للجمهور الذي قدم التضحيات إن "ما تحقق بالدم لن يُفرط به في السياسة".
على مستوى الشعب اللبناني (الرأي العام): هنا يبرز الانقسام في القراءة.
فريق يرى فيها "حفظاً للكرامة" و"موقف عزة" يمنع لبنان من الخضوع لإملاءات مهينة.
وفريق آخر يرى فيها "إطالة للأزمة"، وتأكيداً على أن "لبنان الرهينة" مستمر، وأن الدولة لن تستطيع التعافي أو بسط سيادتها طالما أن قرار الحرب والسلم يبقى خارج مؤسساتها الدستورية.
الطبقة الخامسة: قراءة في الخيار الاستراتيجي (لماذا هكذا؟)
بصفتي مراقباً، أرى أنه كان هناك مسارات أخرى متاحة أمام الحزب لإيصال موقفه، مثل القنوات الدبلوماسية الصامتة أو عبر حلفائه في الحكومة والمجلس.
لماذا إذاً "الكتاب المفتوح" العلني بهذا السقف المرتفع؟
إنني أرى أن الاختيار لم يكن عفوياً.
الحاجة إلى "قاعدة مرجعية" عامة: أراد الحزب وضع "نص تأسيسي" علني، لا يمكن لأحد أن يدعي أنه لم يفهمه. إنه يقطع الطريق على أي "سوء فهم" مقصود في المفاوضات.
الريبة من المسار الرسمي: يبدو واضحاً أن هناك "ريبة" من أن السلطة السياسية اللبنانية (الحكومة) قد "تنجر" تحت الضغوط الأمريكية لتقديم تنازلات. "الكتاب المفتوح" هو "فرملة" علنية لهذا الانجرار، وجعل أي تنازل مستقبلي يبدو كـ "خيانة" للثوابت التي أُعلنت.
تعبئة داخلية: الخطاب موجه للداخل بقدر ما هو موجه للخارج. إنه يعيد شد العصب الداخلي بعد حرب منهكة، ويؤكد أن "المعركة السياسية" قد بدأت، وهي لا تقل أهمية عن العسكرية.
الأفق الوجودي
إنني أرى أن هذه الرسالة تضع لبنان، مرة أخرى، أمام سؤاله الوجودي الأزلي. هي ليست مجرد موقف من الـ 1701، بل هي موقف من "هوية لبنان" ودوره. إنها تعزز "السيادة المزدوجة" (سيادة الدولة الإدارية، وسيادة المقاومة الدفاعية)، وتؤجل، ربما إلى أجل بعيد، قيام "السيادة المتكاملة" تحت سقف دولة واحدة.
السؤال الذي يتجاوز الإجابات
والآن، أطرح سؤالي هذا، ليس كاتهام لأحد، بل كاستقراء للمستقبل، موجهاً للجميع: للرؤساء، ولقيادة حزب الله، ولقيادة الجيش، وللأحزاب المعارضة والموالية، ولكل مواطن لبناني:
"نحن نعيش في وطن تتنازع فيه شرعيتان: "شرعية الدولة" المستندة إلى الدستور والقانون الدولي، و"شرعية المقاومة" المستندة إلى تحرير الأرض والردع. إلى متى يمكن لهاتين الشرعيتين أن تتعايشا في حالة "توازٍ" دون أن تلتقيا؟ وما هو الثمن الذي سيدفعه لبنان، ككيان ومجتمع واقتصاد، إذا طال أمد هذا "التوازي" ولم نجد الشجاعة الوطنية لرسم مسار "التكامل" بينهما في دولة واحدة، قوية بشرعيتها، لا منقسمة عليهما؟"