قراءة في رسالة حزب الله
هل هي "إعلان جهوزية"؟ تشريح الردع السياسي والعسكري
بصفتي مراقباً مستقلاً، وبعد أن فككنا الرسالة من زواياها الداخلية، السياسية والاقتصادية، نصل الآن إلى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل هذه الرسالة هي "إعلان جهوزية" سياسي وعسكري؟ وهل هي رد استباقي على عدوان وشيك، تلوّح به إسرائيل بدعم من تصريحات المبعوث الأميركي؟
إنني أرى أن الإجابة هي "نعم" قاطعة. هذه الرسالة ليست مجرد موقف سياسي، بل هي "بيان ردع استراتيجي"، و"إعلان جهوزية" تم صياغته بعناية فائقة، وهو يربط بشكل مباشر بين التهديدات الخارجية والاستعداد الداخلي.
إليكم تحليلي لكيفية كون هذه الرسالة إعلان جهوزية متكامل الأركان.
إن وضع هذه الرسالة في سياقها الصحيح، أي ربطها بتصريحات المبعوث الأمريكي "توماس براك" والتهديدات الإسرائيلية المتصاعدة، يحولها من مجرد بيان إلى "مناورة استباقية" تهدف إلى إفشال أي خطط عدوانية قبل أن تبدأ.
أولاً: الجهوزية السياسية (تحصين الجبهة الداخلية)
قبل إعلان الجهوزية العسكرية، كان لا بد من "تحصين" الموقف السياسي. الرسالة تنجح في ذلك عبر ثلاث نقاط:
نزع الشرعية عن "الخصم" الحكومي: عندما وصفت الرسالة تحركات الحكومة بـ "الخطيئة الحكومية" و"القرار المتسرع"، هي لم تكن تنتقد فقط، بل كانت تنزع "التفويض" عن أي جهة رسمية لبنانية قد تقبل، تحت الضغط الأمريكي، بالتفاوض على سلاح المقاومة.
الرد على المبعوث الأمريكي: تصريحات المبعوث الأمريكي "براك"، التي وصفت لبنان بـ "الدولة الفاشلة" وأن "الدولة هي حزب الله"، وذهبت إلى حد إعطاء "مهلة" لتنفيذ "خطة حصر السلاح" قبل السماح بعمل عسكري إسرائيلي (كما تشير التقارير)، كل هذا يُعتبر "غطاءً سياسياً" للعدوان. جاءت الرسالة لتقول: "هذا الغطاء مرفوض، وأي تفاوض تحت هذا الابتزاز هو خيانة".
تثبيت السردية: الرسالة تؤكد أن "العدو يواصل خروقاته"، بينما "لبنان وحزب الله ملتزمان". هذا "تحصين قانوني" ضروري أمام المجتمع الدولي، مفاده أن أي مواجهة قادمة لن تكون "قرار حرب" من المقاومة، بل "دفاع مشروع" عن النفس رداً على عدوان بدأ فعلياً.
ثانياً: الجهوزية العسكرية (تثبيت معادلة الردع)
هنا، كل كلمة في الرسالة هي "رصاصة" في معركة "حرب الإرادات" التي تسبق الحرب العسكرية. إنها إعلان جهوزية عسكرية صريح، موجه لواشنطن وتل أبيب:
رفض الإنذار الأمريكي: المهلة التي تحدثت عنها التقارير بخصوص "خطة حصر السلاح" هي جوهر التهديد. رد الحزب كان واضحاً: "موضوع حصرية السلاح لا يبحث استجابة لطلب أجنبي أو ابتزاز إسرائيلي". هذا ليس موقفاً تفاوضياً، بل هو "رفض قاطع للإنذار".
تأكيد "الجهوزية الدائمة": الجملة الأهم في كل الرسالة هي: "لا يندرج الدفاع المشروع تحت عنوان قرار السلم أو قرار الحرب". هذا هو قلب الإعلان العسكري. معناه: "جهوزيتنا ليست قراراً سياسياً خاضعاً للنقاش أو للمزاج الحكومي أو للمهل الأمريكية. إنها "واجب وجودي" قائم ومستمر".
رسالة "الكلفة الباهظة": عندما تقول الرسالة إنها "ستمضي قدماً في ممارسة حقها بالدفاع"، فهي تقول للأمريكي الذي يدعم العدوان، وللإسرائيلي الذي يخطط له: "نحن نسمع تهديداتكم، ونراها، ونحن جاهزون لها. أي عدوان قادم لن يكون نزهة، وكلفته ستكون أعلى بكثير من أي مكاسب سياسية تأملون تحقيقها".
الخاتمة: ما بعد إعلان الجهوزية
في التحليل النهائي، إنني أرى أن هذه الرسالة هي "مناورة ذكية" في "لعبة عض الأصابع" الاستراتيجية. لقد أدرك الحزب أن تصريحات المبعوث الأمريكي والتهديدات الإسرائيلية هي "تحضير لمسرح العمليات" لفرض واقع جديد عسكرياً.
فكان لا بد من "هجوم مضاد استباقي"، ليس عسكرياً، بل سياسياً. هذه الرسالة هي "قنبلة" سياسية فجّرها الحزب في وجه "الخطة" الأمريكية-الإسرائيلية، هدفها:
إحراج الحكومة اللبنانية ومنعها من تقديم أي تنازلات.
إبلاغ واشنطن أن خطتها "مفضوحة" وأن الضغط لن يؤدي إلا إلى الانفجار.
ردع إسرائيل عبر التأكيد أن الجهوزية كاملة وأن كلفة "المغامرة" ستكون وجودية.
نعم، إنها "إعلان جهوزية" سياسي وعسكري كامل، مصمم ليس لبدء حرب، بل لـ "منع حرب" تُفرض بشروط العدو.
السؤال الذي يتجاوز الإجابات
والآن، أطرح سؤالي هذا على ضوء هذا الصراع المحتدم:
"بعد أن وضعت واشنطن وتل أبيب "الإنذار" على الطاولة، ووضعت المقاومة "إعلان الجهوزية" المضاد، أين يقف "الكيان اللبناني" الرسمي؟ هل هو "الرهينة" التي ينتظر الجميع معرفة مصيرها في هذه المواجهة، أم هو "الجائزة" التي سيفوز بها الطرف الذي ينجح في فرض شروطه الاستراتيجية أولاً؟"